العيني

19

عمدة القاري

هناك أن حديث عامر بن ربيعة هذا أخرجه أبو داود والترمذي موصولاً ، وإنما ذكر في الموضعين بصيغة التمريض ، لأن في سنده : عاصم بن عبيد الله ، قال البخاري : منكر الحديث ، وقد استوفينا الكلام فيه هناك ، فليرجع إليه من يريد الوقوف عليه . وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَوْلاَ أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ مطابقته للترجمة من حيث إن قوله : ( بالسواك ) أعم من السواك الرطب والسواك اليابس ، ومضمون الحديث يقتضي إباحته في كل وقت ، وفي كل حال ، ووصل هذا التعليق النسائي عن سويد بن نصر : أخبرنا عبد الله عن عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ، وفي ( الموطأ ) : عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال : ( لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء ) ، قال أبو عمر : هذا يدخل في المسند عندهم لاتصاله من غير ما وجه ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك ، ورواه بشر بن عمر وروح بن عبادة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ) ، وأخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث روح ، ورواه الدارقطني في ( غرائب مالك ) من حديث إسماعيل بن أبي أويس ، وعبد الرحمن بن مهدي ومطرف بن عبد الرحمن وابن عتمة بما يقتضي أن لفظهم : ( مع كل وضوء ) ، ورواه الحاكم في ( مستدركه ) مصححا بلفظ : ( لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء ) ، ورواه المثنى عنه : ( مع كل طهارة ) ، ورواه أبو معشر عنه : ( لولا أن أشق على الناس لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ، ومع الوضوء بسواك ) . والله أعلم . ويُرْوَى نَحْوُهُ عنْ جابِرٍ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أي : يروى نحو حديث أبي هريرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وعن زيد بن خالد الجهني أبو عبد الرحمن من مشاهير الصحابة ، وهذان التعليقان رواهما أبو نعيم الحافظ . فالأول من حديث إسحاق بن محمد الفروي عن عبد الرحمن بن أبي الموالي عن عبد الله بن عقيل عنه بلفظ : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) ، والثاني من حديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة عن زيد ، ولفظه : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) وإنما ذكره بصيغة التمريض لأجل محمد بن إسحاق فإنه لم يحتج به ، ولكن ذكره في ( المتابعات ) . وأما الأول فضعفه ظاهر بابن عقيل الفروي ، فإنه مختلف فيه ، وروى ابن عدي حديث جابر من وجه آخر بلفظ : ( لجعلت السواك عليهم عزيمة ) ، وإسناده ضعيف . فإن قلت : هل فرق بين قوله : ( نحوه ) ، وبين قوله : ( مثله ؟ ) قلت : إذا كان الحديثان على لفظ واحد يقال : مثله ، وإذا كان الثاني على مثل معاني الأول يقال : نحوه . واختلف أهل الحديث فيما إذا روى الراوي حديثا بسنده ثم ذكر سندا آخر ولم يسق لفظ متنه ، وإنما قال بعده : مثله ، أو : نحوه ، فهل يسوغ للراوي عنه أن يروي لفظ الحديث المذكور أولاً لإسناد الثاني أم لا ؟ على ثلاثة مذاهب . أظهرها : أنه لا يجوز مطلقا . وهو قول شعبة ورجحه ابن الصلاح وابن دقيق العيد . والثاني : أنه إن عرف الراوي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جاز ، وإلاَّ فلا ، وهو قول الثوري وابن معين . والثالث : وهو اختيار الحاكم : التفرقة بين قوله : مثله ، وبين قوله : نحوه ، فإن قال : مثله ، جاز بالشرط المذكور ، وإن قال : نحوه ، لم يجز ، وهو قول يحيى بن معين . وقال الخطيب : هذا الذي قاله ابن معين بناء على منع الرواية بالمعنى ، فأما على جوازها فلا فرق . ولَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِه هذا من كلام البخاري أي : لم يخص النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه من الصحابة أبو هريرة وجابر وزيد بن خالد المذكور الآن الصائم من غير الصائم ، ولا السواك اليابس من غيره ، فيدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبا أو يابسا ، ولو افترق الحكم فيه بين الرطب واليابس في ذلك لبينه ، لأن الله عز وجل فرض عليه البيان لأمته .